الشيخ محمد رضا النجفي الأصفهاني
544
وقاية الأذهان
على مخالفة الواقع اللازمة من العمل بذلك الطريق ، لا إدراك المصلحة الواقعيّة ، ولهذا اتفق العقل والنقل على ترجيح الاحتياط على تحصيل الواقع بالطريق المنصوب في غير العبادات ممّا لا يعتبر فيه نية الوجه اتّفاقا ، بل الحقّ ذلك فيها أيضا ، كما مرّت الإشارة إليه في إبطال وجوب الاحتياط » ( 1 ) . أقول : إن تمّ ما ادّعاه من الفرق بين المقلَّد وبين ما نحن فيه - ولا يتمّ على إطلاقه ، كما ستعرف - فإنّ الأمر في القضاء بالعكس ، إذ لمعرفة المحقّ من المبطل في الدعاوي طرق منضبطة يجري عليها العقلاء من كلّ قوم وملَّة يفصلون بها بين الخصوم ، ويصيبون الواقع غالبا ، بل إلاّ نادرا . وحينما ترى قاضي العرف إذا رفع إليه دعوى السرقة ينظر إلى حال المتداعيين ، فإذا رأى المدّعي صالحا مثريا لم يعهد منه قط ارتكاب مأثمة ولا ادّعاء باطل ، ورأى المدّعى عليه خليعا ( 2 ) ، صعلوكا ( 3 ) ، حرفته الشحاذة ( 4 ) ، وعادته السرقة ، ماهرا في حرفته ، جاريا طول عمره على عادته ، قد قطعت للسرقة يده ، وكم سوّد بالسياط جلده ، ورآه جماعة واقفا ساعة التهمة على باب الدار ، وآخرون متسلَّقا حائط الجار ، فبعد الاستنطاق والاستخبار ، واستقصاء الشواهد والآثار يحكم عليه بها ، مصيبا في حكمه ترى قاضي الشرع لا يسعه مع ذلك كلَّه بعد فقد البيّنة إلاّ تحليفه ، مع علمه بأنّه لا يتحرّج من ألف يمين على فلس واحد . ولعلّ الشيخ لهذا أمر بالتأمّل ، وعدل عنه إلى ما هو أبعد وأعجب ، وهو احتمال أنّ الشارع لم يلاحظ الواقع في نصب الطرق ، وأعرض عنه ، وجعل مدار قطع الخصومة على الطرق التعبدية .
--> ( 1 ) فرائد الأصول : 132 - 134 . ( 2 ) الخليع : الشاطر الذي خلع الدين والحياء . تاج العروس 5 : 321 " خلع " . ( 3 ) الصعلوك : الفقير . القاموس المحيط 3 : 320 ، الصحاح 4 : 1595 " صعلك " . ( 4 ) الشحذ : الإلحاح في السؤال . القاموس المحيط 1 : 367 " شحذ " .